الإنترنت في السعودية لم يعد وسيلة نستخدمها في أوقات محددة من اليوم، بل أصبح طبقة أساسية تمر من خلالها أجزاء كبيرة من الحياة اليومية؛ التواصل والعمل والتعليم والمصارف والتسوق والترفيه والحجوزات والخدمات الحكومية كلها أصبحت مرتبطة بالاتصال الرقمي. لهذا فإن الحديث عن عدد الساعات التي يقضيها المستخدم على الإنترنت لا يجب أن يُفهم تلقائيًا باعتباره وقتًا للترفيه أو التصفح فقط، لأن جزءًا كبيرًا من الاستخدام قد يكون مرتبطًا بالعمل أو الدراسة أو إنجاز الخدمات. ومع ذلك، فإن حجم الوقت الذي نقضيه متصلين يطرح أسئلة مهمة عن طريقة توزيع الانتباه وعن الحدود بين الاستخدام المفيد والاستخدام التلقائي.
تقرير هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية «إنترنت السعودية 2025» يقدم صورة واضحة؛ 99.6% نسبة انتشار الإنترنت في المملكة، و61.3% من المستخدمين يقضون سبع ساعات فأكثر يوميًا على الإنترنت، بينما يقضي 34.1% ما بين ثلاث وست ساعات، ولا تتجاوز نسبة من يستخدمونه أقل من ثلاث ساعات 4.6%. كما أن 84% من المستخدمين يدخلون إلى الإنترنت أثناء التنقل، و77.5% يستخدمونه في المنزل، و41.4% في العمل، ويظل الهاتف المحمول الجهاز الأكثر استخدامًا بنسبة 99.6%.

ماذا يعني قضاء سبع ساعات أو أكثر على الإنترنت؟
الرقم يبدو كبيرًا عندما ننظر إليه كجلسة متواصلة، لكنه في الواقع موزع غالبًا على اليوم كله. قد يبدأ المستخدم صباحه بتطبيقات التواصل أو الأخبار، ثم يستخدم الإنترنت في العمل، وبعد الظهر يطلب خدمة أو يتسوق، وفي المساء يشاهد محتوى أو يتواصل مع العائلة والأصدقاء. عندما نجمع هذه الفترات الصغيرة والمتوسطة يصبح الوصول إلى سبع ساعات أمرًا مفهومًا في مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على الخدمات الرقمية.
لهذا لا يمكن تقييم الرقم وحده باعتباره جيدًا أو سيئًا. السؤال الأكثر فائدة هو: ما الذي يحدث داخل هذه الساعات؟ هناك فرق بين سبع ساعات تشمل عملًا وتعلمًا وتواصلًا منظمًا، وسبع ساعات معظمها تمرير تلقائي دون هدف.
الهاتف أصبح البوابة الأساسية للإنترنت
النسبة المرتفعة جدًا لاستخدام الهاتف توضح أن الإنترنت أصبح موجودًا معنا باستمرار. في الماضي كان الوصول إلى الإنترنت يحتاج إلى الجلوس أمام جهاز كمبيوتر، أما الآن فهو في الجيب، وهذا يغير طريقة الاستخدام جذريًا. لا نحتاج إلى "قرار" لندخل الإنترنت؛ مجرد انتظار المصعد أو الوقوف في طابور أو الجلوس في السيارة كراكب يمكن أن يتحول إلى دقائق من التصفح.
هذه الدقائق المتفرقة هي أحد أسباب صعوبة إدراك الوقت الحقيقي الذي نقضيه على الهاتف. المستخدم قد يشعر أنه لم يجلس ساعتين متواصلتين على تيك توك أو سناب شات، لكنه قد يكون فتح التطبيق عشرين مرة خلال اليوم، وفي النهاية تتجمع الدقائق إلى وقت طويل.
لماذا يرتفع الاستخدام أثناء التنقل؟
تقرير CST يشير إلى أن 84% يستخدمون الإنترنت أثناء التنقل، وهي نسبة أعلى من الاستخدام في المنزل. هذا يعكس قوة الاتصال المحمول وانتشار التطبيقات التي يمكن استخدامها في أي مكان، لكنه يعكس أيضًا تغير السلوك؛ وقت الانتظار الذي كان سابقًا بلا نشاط أصبح الآن وقتًا رقميًا.
قد يستمع المستخدم إلى بودكاست، يرد على رسائل، يراجع بريدًا، يتصفح محتوى، أو ينفذ عملية مصرفية. هذه المرونة مفيدة، لكنها تعني أيضًا اختفاء مساحات كثيرة من اليوم كانت تمنح العقل وقتًا بلا شاشة.
ذروة الاستخدام في المساء
بحسب تقرير إنترنت السعودية، ساعات الذروة اليومية تقع بين التاسعة والحادية عشرة مساءً، بينما الجمعة يوم الذروة الأسبوعي. هذا النمط منطقي؛ بعد انتهاء معظم الالتزامات اليومية يصبح لدى المستخدم وقت أطول للترفيه والتواصل ومشاهدة المحتوى.
لكن هذا التوقيت مهم أيضًا عند الحديث عن النوم، لأن استخدام الأجهزة قرب وقت النوم قد يمتد بصورة أكبر من المتوقع إذا لم توجد حدود واضحة. المشكلة ليست مجرد الضوء الصادر من الشاشة، بل أن المحتوى نفسه قد يحافظ على الانتباه ويجعل الشخص يقول "مقطع واحد آخر" مرات كثيرة.
لماذا لا نشعر بطول الوقت؟
التطبيقات مصممة بحيث يكون الانتقال بين المحتويات سريعًا جدًا. التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والتنبيهات، والمقاطع القصيرة كلها تقلل نقاط التوقف الطبيعية التي تذكر المستخدم بالوقت.
عند قراءة كتاب، تصل إلى نهاية فصل ويمكن أن تتوقف. في السوشيال ميديا لا توجد نهاية واضحة، ولذلك يكون القرار بالتوقف معتمدًا على المستخدم نفسه.
الإنترنت أصبح بنية للخدمات اليومية
ارتفاع الاستخدام في السعودية يرتبط أيضًا بتطور الخدمات الرقمية. المستخدم يدخل إلى أبشر أو التطبيقات المصرفية أو منصات التعليم أو الخرائط أو المتاجر الإلكترونية أو الخدمات الحكومية. هذه الأنشطة لا تشبه الاستخدام الترفيهي، لكنها تضيف إلى الوقت الإجمالي المتصل.
لهذا فإن مصطلح "وقت الشاشة" يحتاج إلى تفسير، لأن ساعة من العمل على تقرير ليست مساوية لساعة من التمرير العشوائي من حيث الهدف والتأثير.
السوشيال ميديا تستحوذ على جزء مهم من اليوم
رغم تعدد الاستخدامات، تبقى مواقع التواصل جزءًا كبيرًا من الحياة الرقمية. الأرقام السعودية تظهر استخدامًا مرتفعًا لواتساب وسناب شات وتيك توك ويوتيوب عبر فئات عمرية مختلفة، مع اختلاف النسب بين الأعمار.
هذه المنصات تؤدي وظائف متعددة؛ واتساب للتواصل، سناب للحياة اليومية، تيك توك للاكتشاف والترفيه، ويوتيوب للمشاهدة الأطول. لهذا قد يتنقل المستخدم بينها طوال اليوم دون الشعور بأنه يقوم بنشاط واحد مستمر.
اختلاف العادات حسب العمر
الفئات الأصغر تميل بصورة أكبر إلى سناب شات وتيك توك، بينما يظل واتساب مرتفع الاستخدام عبر معظم الأعمار. هذا الاختلاف يوضح أن "المستخدم السعودي" ليس نموذجًا واحدًا؛ طالب الجامعة يملك روتينًا رقميًا مختلفًا عن الموظف في الخمسينيات.
حتى داخل المنصة نفسها تختلف الوظيفة؛ شخص يستخدم يوتيوب للتعلم، وآخر للألعاب، وثالث للمراجعات قبل الشراء.
النساء والرجال لا يستخدمون كل المنصات بالطريقة نفسها
تقرير CST يظهر فروقًا في نسب استخدام بعض التطبيقات بين الجنسين، فسناب شات مثلًا أعلى بين الإناث في البيانات المنشورة، بينما يوتيوب أعلى بين الذكور. هذه الفروق لا تعني أن كل فرد يتبع النمط نفسه، لكنها تساعد على فهم أن البيئة الرقمية تتشكل حسب اهتمامات وسياقات متعددة.
بالنسبة للمسوق وصانع المحتوى، هذه البيانات مهمة لأن الجمهور لا يوجد كله في المكان نفسه.
ارتفاع استهلاك البيانات ماذا يكشف؟
متوسط استهلاك بيانات الإنترنت المتنقل للفرد في المملكة وصل إلى 53 جيجابايت شهريًا، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المعدل العالمي وفق التقرير. هذا الرقم يعكس الاستخدام الكثيف للمحتوى الرقمي، خصوصًا الفيديو، إلى جانب قوة البنية التحتية والاتصال المحمول.
كلما أصبحت الفيديوهات أعلى جودة والبث أسهل، أصبح المستخدم أكثر اعتمادًا على الإنترنت في الترفيه والتعليم والعمل.
هل الساعات الطويلة مشكلة بحد ذاتها؟
ليس بالضرورة. الشخص الذي يعمل في وظيفة رقمية سيقضي وقتًا طويلًا أمام الإنترنت بحكم العمل، والطالب الذي يدرس عن بعد أو يبحث عن مصادر سيزيد استخدامه. المشكلة تظهر عندما يصبح جزء كبير من الوقت غير مقصود، أو عندما يبدأ الاستخدام في التأثير على النوم أو التركيز أو الحركة أو العلاقات.
لذلك من الأفضل تقييم جودة الاستخدام وليس الرقم وحده.
الفرق بين الاستخدام المقصود والاستخدام التلقائي
الاستخدام المقصود يبدأ بهدف: أريد إرسال رسالة، حجز موعد، مشاهدة درس، أو البحث عن منتج. أما الاستخدام التلقائي فيبدأ غالبًا بفتح الهاتف دون هدف ثم التنقل بين التطبيقات.
هذا النوع الثاني هو الذي يمكن أن يستهلك وقتًا كبيرًا دون أن يشعر المستخدم بأنه حصل على شيء واضح مقابله.
لماذا نفتح الهاتف دون إشعار؟
مع التكرار، يتحول فتح الهاتف إلى عادة. قد يكون الشخص ينتظر لحظة قصيرة، فيمد يده تلقائيًا إلى الجهاز حتى دون وجود تنبيه. هذه العادة لا تحتاج إلى قرار واعٍ في كل مرة.
بمرور اليوم، عشرات هذه الفتحات الصغيرة ترفع وقت الاستخدام بدرجة كبيرة.
هل العمل من الهاتف زاد الحدود ضبابية؟
بالتأكيد. رسائل العمل قد تصل مساءً، والاجتماعات يمكن حضورها من الجوال، والملفات يمكن مراجعتها في أي وقت. هذه المرونة مفيدة لكنها تجعل نهاية يوم العمل أقل وضوحًا.
إذا لم يضع الشخص حدودًا، قد يشعر بأنه متصل بالعمل طوال الوقت حتى إذا لم يكن يعمل فعليًا طوال هذه الساعات.
التسوق عبر الإنترنت جزء من السلوك الرقمي
التجارة الإلكترونية والمراجعات والإعلانات أصبحت جميعها موجودة على الهاتف، لذلك رحلة الشراء تبدأ أحيانًا من مقطع على تيك توك، ثم بحث في جوجل، ثم قراءة تقييمات، ثم الدخول إلى المتجر.
هذه الرحلة تستهلك وقتًا لكنها أيضًا تعكس تحول الإنترنت إلى مساحة لاتخاذ القرار، وليس مجرد ترفيه.
الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة من الاستخدام
تقرير CST يوضح أن 45.2% من المستخدمين في المملكة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي، مع نمو تجاوز ضعف العام السابق. هذا يعني أن جزءًا متزايدًا من الوقت الرقمي أصبح يذهب إلى البحث والكتابة والتعلم باستخدام أدوات AI.
ومع توسع هذه الأدوات، قد يزيد الوقت المتصل بالإنترنت، لكن ربما يصبح جزء منه أكثر إنتاجية إذا استخدم بصورة صحيحة.
الإنترنت والعمل والتعلم
الإنترنت اليوم أداة لإدارة العمل بقدر ما هو وسيلة ترفيه. البريد، الاجتماعات، أنظمة الموارد البشرية، المنصات السحابية، وتطبيقات التواصل كلها تعتمد على الشبكة. وفي الدراسة، يمكن للطالب الوصول إلى المحاضرات والمراجع والاختبارات والدورات.
لذلك محاولة تقليل وقت الإنترنت إلى رقم منخفض جدًا ليست دائمًا واقعية أو مفيدة.
ما الذي يستحق القياس بدل عدد الساعات فقط؟
راقب عدد مرات فتح الهاتف، والوقت الذي تقضيه في التطبيقات غير المرتبطة بهدف واضح، ووقت الشاشة قبل النوم، وعدد الإشعارات، ومقدار الوقت الذي تقضيه في نشاط رقمي ثم تشعر أنك لم تستفد منه.
هذه المؤشرات قد تكون أكثر فائدة من مجموع الساعات.
تجربة بسيطة لمدة أسبوع
لا تبدأ بمحاولة حذف كل التطبيقات. افتح تقرير Screen Time أو Digital Wellbeing وانظر إلى التطبيقات الثلاثة الأعلى استخدامًا. لكل تطبيق اكتب وظيفته، ثم حدد هل الوقت الذي تقضيه عليه يتناسب مع هذه الوظيفة.
إذا كان تطبيق معين يأخذ ساعتين يوميًا بينما فائدته الأساسية عشر دقائق من التواصل، فهناك فجوة تستحق المراجعة.
كيف تقلل الاستخدام غير المقصود؟
أوقف الإشعارات غير الضرورية، وأخرج التطبيقات التي تفتحها تلقائيًا من الشاشة الأولى، وحدد أوقاتًا معينة لمراجعتها بدل فتحها عشرات المرات. يمكنك أيضًا وضع الهاتف بعيدًا أثناء مهمة تحتاج إلى تركيز.
الفكرة ليست محاربة الإنترنت، بل إعادة القرار إلى المستخدم.
متى يصبح الاستخدام مقلقًا؟
إذا بدأ يؤثر بصورة مستمرة على النوم أو الدراسة أو العمل أو العلاقات، أو شعرت أنك لا تستطيع التوقف رغم رغبتك، فمن المفيد التعامل مع الأمر بجدية أكبر. قد يكون البدء بتعديل البيئة الرقمية مفيدًا، وإذا كان الاستخدام مرتبطًا بضيق نفسي كبير فالدعم المتخصص خيار مناسب.
أسئلة شائعة
كم يقضي السعوديون على الإنترنت يوميًا؟
بحسب تقرير إنترنت السعودية 2025، 61.3% من المستخدمين يقضون سبع ساعات فأكثر يوميًا على الإنترنت.
ما أكثر جهاز يستخدم للوصول إلى الإنترنت؟
الهاتف المحمول يتصدر بنسبة استخدام 99.6% وفق التقرير.
متى تكون ساعات الذروة؟
بين التاسعة والحادية عشرة مساءً، بينما الجمعة يوم الذروة الأسبوعي بحسب بيانات التقرير.
هل الوقت الطويل يعني إدمانًا؟
لا. عدد الساعات وحده غير كافٍ؛ طبيعة الاستخدام وتأثيره على الحياة أهم.
كيف أعرف أن وقتي الرقمي يحتاج إلى تنظيم؟
إذا كان جزء كبير منه يحدث دون هدف واضح، أو يؤثر على النوم والتركيز والالتزامات، فهذه علامة مناسبة للمراجعة.
الخلاصة
الأرقام السعودية تكشف أن الإنترنت أصبح جزءًا عميقًا من الحياة اليومية، ولذلك من الطبيعي أن يكون وقت الاستخدام مرتفعًا. التحدي ليس في الوصول إلى أقل عدد ممكن من الساعات، بل في التمييز بين الوقت الذي يخدم العمل والتعلم والتواصل والخدمات، والوقت الذي يضيع دون قصد داخل التمرير والإشعارات. المستخدم الأكثر وعيًا لا يحتاج إلى الانفصال عن الإنترنت، بل إلى معرفة أين يذهب وقته وكيف يعيد تنظيمه وفق أولوياته.
CTA: افتح تقرير استخدام الهاتف لآخر سبعة أيام، واكتب أمام كل تطبيق من التطبيقات الثلاثة الأولى: "لماذا أستخدمه؟ وما الوقت الذي أراه مناسبًا له؟". الفارق بين إجابتك والوقت الفعلي سيكشف لك أين تبدأ عملية تنظيم استخدامك الرقمي.
0 تعليقات